صديق الحسيني القنوجي البخاري

436

فتح البيان في مقاصد القرآن

وحموه بمعنى ، والمعنى قد أحميت وأوقد عليها مدة طويلة ، وفي الحديث « أحمى عليها ألف سنة حتى احمرت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت ، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت ، فهي سوداء مظلمة » « 1 » . قرأ الجمهور تصلى بفتح التاء مبنيا للفاعل وقرىء بضمها مبنيا للمفعول وبضم التاء وفتح الصاد وتشديد اللام ، والضمير راجع إلى الوجوه على جميع هذه القراءات السبعية ، والمراد أصحابها كما تقدم . وهكذا الضمير في تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ أي متناهية في الحر ، والآني الذي قد انتهى حره من الايناء بمعنى التأخر ، يقال آناه يؤنيه إيناء أي أخره وحبسه ، كما في قوله : يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ [ الرحمن : 44 ] قال الواحدي قال المفسرون لو وقعت منها قطرة على جبال الدنيا لذابت ، قال ابن عباس هي التي قد طال أينها وقال أيضا قد أنى غليانها ، وعنه قال انتهى حرها . ولما ذكر سبحانه شرابهم عقبه بذكر طعامهم فقال : لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ وهو نوع من الشوك لا ترعاه دابة لخبثه يقال له الشبرق في لسان قريش إذا كان رطبا فإذا يبس فهو الضريع ، كذا قال مجاهد ، وقتادة وغيرهما من المفسرين ، قيل وهو سم قاتل ، وإذا يبس لا تقربه دابة ولا ترعاه ، وقيل هو شيء يرمى به البحر يسمى الضريع من أقوات الأنعام لا من أقوات الناس ، فإذا رعت منه الإبل لا تشبع وتهلك هزالا . قال الخليل الضريع نبات أخضر منتن الريح يرمى به البحر ، وجمهور أهل اللغة والتفسير قالوا بالأول . وقال سعيد بن جبير : الضريع الحجارة وقيل هو شجرة في نار جهنم ، وقال الحسن : هو بعض ما أخفاه اللّه من العذاب ، وقال ابن كيسان : هو طعام يضرعون عنده ويذلون ويتضرعون إلى اللّه بالخلاص منه ، فسمي بذلك لأن آكله يتضرع إلى اللّه في أن يعفى عنه لكراهته وخشونته ، قال النحاس : قد يكون مشتقا من الضارع وهو الذليل أي من شربه تلحقه ضراعة وذلة ، وقال الحسن أيضا هو الزقوم وقيل هو واد في جهنم . وقد تقدم في سورة الحاقة فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ [ الحاقة : 35 ، 36 ] والغسلين غير الضريع كما تقدم ، وجمع بين الآيتين بأن النار دركات ، والعذاب ألوان والمعذبون طبقات ، فمنهم من طعامه الضريع ، ومنهم من طعامه الغسلين ، ومنهم من طعامه الزقوم ، فلا تناقض بين هذه الآيات . قال ابن عباس الضريع الشبرق ، وقال أيضا شجر من نار ، وعنه قال الشبرق اليابس .

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في جهنم باب 8 ، وابن ماجة في الزهد باب 38 .